حسن الأمين

333

مستدركات أعيان الشيعة

منذ أربع سنوات عندما تناءت عن عيني مشاهد الشام وغابت معالم السهول والجبال واحتوتني الصحراء بوحشها تلفت إلى الوراء منشدا : فقلت لقلبي حين خف به الهوى وكاد من الوجد الممض يطير فهذا ولما تمض للبين ليلة فكيف إذا مرت عليك شهور وأصبح أعلام الأحبة دونها من الأرض غول نازح ومسير ورحت أمعن في القفر الأجرد واجما مكروبا ، وطفقت أمشي في البيد ساهما مطرقا أفكر فيما أنا مقدم عليه من عمل جديد وناي مديد حتى طلعت ( الرطبة ) باضوائها المتلألئة فكانت ابتسامة الصحراء القطوب وضحكة الأمل الخابي بل كانت بادرة الخير في هذا السفر المضني . وقد أشرقت نفسي لاشراق الرطبة فحسبته إشراق الراحة بعد العناء والنور بعد الظلام ولم أدر أنه إشراق عهد من أعذب عهود حياتي وتالق زمن من أحلى أزمان عيشي حتى بدت نخلات ( الرمادي ) وتلألأت صفحة ( الفرات ) وأطل سواد ( الفلوجة ) ولمعت ماذن ( الكاظمية ) وظهرت معاهد بغداد وماجت غوارب دجلة وزخر شارع الرشيد فكانت حياتي العراقية التي ينطوي الزمن ولا تنطوي من ذهني وتنمحي الأيام ولا تنمحي من خاطري ويتلاشى العيش ولا تتلاشى من ضميري ! . أربعة أعوام في العراق نزلت فيها بغداد والحلة وجبت فيها كربلاء والنجف والكوفة وعفك والديوانية والناصرية ورحلت إلى البصرة وأبي الخصيب والقرنة والفاو وشاهدت الرافدين من ملتقاهما حتى مصبهما وتنقلت في الغراف وحواضره ونزلت بعقوبة وكركوك وأربيل والسليمانية والموصل بل تغلغلت في صميم الأرياف والقرى فبت في العنبكية ووصلت إلى شفاثا والأخيضر . أربعة أعوام في العراق توالت علي فكانت أزهر صفحة في دهري وأنضر صورة في ذهني وأجمل مشهد في نفسي وعند ما آذنت هذه السنون بالزوال ومالت إلى الانطواء وعند ما ختمت حياتي العراقية ومشيت أعاود قطع الصحراء آئبا كما عاودته ذاهبا - إذا بي وقد ( تناولت عن عيني مشاهد العراق وغابت معالم السهول والجبال واحتوتني الصحراء بوحشتها ) أتلفت إلى الوراء منشدا : ولو قال لي الغادون ما أنت مشته غداة جزعنا الرمل قلت أعود أتطلب يا قلبي العراق من الحمى ليهنك من مرمى عليك بعيد ترى اليوم في بغداد أندية الهوى لها مبدئ من بعدنا ومعيد وإذا بي بعد أربع سنين عند تركي ( الرمادي ) وتخليفي ورائي سواد الفرات أقف نفس الموقف الأليم الذي وقفته عند تركي ( ضمير ) وتخليفي ورائي خضرة الغوطة وإذا بالحنين الذي ملك علي نفسي وأنا أفري الصحراء قاصدا العراق يملك علي نفسي وأنا أفري الصحراء عائدا من العراق وإذا بالشوق الذي أضناني وأنا أهجر الشام وأؤم العراق يضنيني وأنا أهجر العراق وأؤم الشام وإذا بي لا أكاد أدري أين هو ترابي أفي قمم ( قاسيون ) وذروات لبنان وسهول الغوطة أم هو في قمم ( حمرين ) وسهول ( الرافدين ) وإذا بي لا أكاد أعلم أين هم أهلي وصحبي أعلى ضفاف الليطاني وبردى والحجير أم على ضفاف الفراتين وديالى والغراف ، فإذا ما حن الناس إلى أرضهم وأهلهم جننت إلى أرضين وأهلين وإذا ما اشتاقوا بلادهم وقومهم اشتقت بلادين وقومين . لقد غابت بغداد عن عيني ولكن بغداد لا تغيب عن نفسي فلا أزال أرى دجلة متدفقا بين الرياض والمروج ولا أزال أبصر نخيلها متمايلا مع النسائم والأرواح ولا تزال صورها الحلوة تتعاقب في خاطري غضة طرية الألوان . ولقد انطوى العراق عن ناظري ولكن العراق لا ينطوي من ذهني فلا أزال أشاهده ناضر الصفحة زاهر الجبين ولا أزال أتطلع إلى الرافدين يشقان أديمه الأخضر ولا أزال أطل على ضفافهما الكاسية العامرة فأرى الدوح الفارد والأيك الدائح وانظر جموع الفتيان وصفوف الشيوخ والكهول . لقد بعد العراق عن بصري ولكن العراق لن يبعد عن قلبي . وداع العراق شعرا ثم نشرت القصيدة التالية : إني عهدتك في النوى متجلدا هيهات هذا اليوم أن تتجلدا أرق الدموع فلست أول شاعر يبكي الأحبة والديار توجدا لمن الدموع تصونها إن لم تكن لفراقهم ولمن تجود بها غدا ودع شذا بغداد ودع دجلة والألمعية والبسالة والندى لن تبصر النخل النضير ولن ترى في الجزرتين سناءها المتوقدا هفت النواظر للعراق فلم تبن خضر الضفاف ولا النخيل بها بدا نأت الرصافة واختفت أعلامها والكرخ عن عيني أوغل مبعدا بغداد غابت وانطوى نخل الربى والشمل شمل الأوفياء تبددا هيهات بعد اليوم وجدك ينقضي هيهات شوقك أن يلين ويبردا تلك الضفاف وكم مرحت بظلها شغفاؤكم حن الفؤاد وكم شدا النخل كالوسنان أسبل جفنه والنهر كالسكران هاج معربدا والورد كالجذلان يبسم ثغره والطير كالولهان يهتف منشدا والظل كالهيمان مد ذراعه شوقا وعاوده الحيا فترددا قل للأحبة والديار بعيدة هيهات قلبي بعدكم أن يسعدا الصبح يعلم كم هفوت مروعا والليل يدري كم سهرت مسهدا هذا الفؤاد المستهام بحبكم هيهات يخمد حبه إلا الردى بيني وبينكم القفار قصية ما أطول المسرى علي وأبعدا ما زلتم أدنا إلي ولم تزل أيامكم أهنا لدي وأرغدا تلك الشواطىء ما نسيت عهودها تلك الخمائل ما جحدت لها يدا يا نخل ما أبهاك عندي منظرا يا ماء دجلة ما ألذك موردا ساطل أرسل في هواك قصائدي ساظل بالحب الوفي مغردا ساظل بالنخل النضير متيما سيظل قلبي في الهوى متبغددا نخيل العراق ثم القصيدة التالية : حي النخيل سهولة وهضابا والشاطئين مضاربا وقبابا واملأ من الحسن البهي نواظرا ظماى إلى الحسن البهي سغابا تهواه في نور الخميلة وادعا وعلى العباب مواثبا غلابا ظلا على الوجنات رف ومنهلا وعلى الشفاه الحالمات سرابا